الآلوسي
98
تفسير الآلوسي
والفضل أي أولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجميل * ( عَنْهَا ) * أي عن جهنم * ( مُبْعَدُونَ ) * لأنهم في الجنة وشتان بينها وبين النار * ( لاَ يَسْمَعُونَ حَسيسَهَا ) * أي صوتها الذي يحس من حركتها ، والجملة بدل من * ( مبعدون ) * ، وجوز أن تكون حالاً من ضميره ، وأن تكون خبراً بعد خبر ، واستظهر كونها مؤكدة لما أفادته الجملة الأولى من بعدهم عنها ، وقيل : إن الابعاد يكون بعد القرب فيفهم منه أنهم وردوها أولاً ، ولما كان مظنة التأذي بها دفع بقوله سبحانه * ( لا يسمعون ) * فهي مستأنفة لدفع ذلك ، فعلى هذا يكون عدم سماع الحسيس قبل الدخول إلى الجنة ، ومن قال به قال : إن ذلك حين المرور على الصراط وذلك لأنهم ما ورد في بعض الآثار يمرون عليها وهي خامدة لا حركة لها حتى أنهم يظنون وهم في الجنة أنهم لم يرموا عليها ، وقيل لا يسمعون ذلك لسرعة مرورهم وهو ظاهر ما أخرجه ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية : أولئك أولياء الله تعالى يمرون على الصراط مراً هو أسرع من البرق فلا تصيبهم ولا يسمعون حسيسها ويبقى الكفار جثياً ، لكن جاء في خبر آخر رواه عنه ابن أبي حاتم أيضاً . وابن جرير أنه قال في * ( لا يسمعون ) * الخ لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزلوا منازلهم في الجنة ، وقيل : إن الابعاد عنها قبل الدخول إلى الجنة ، والمراد بذلك حفظ الله تعالى إياهم عن الوقوع فيها كما يقال أبعد الله تعالى فلاناً عن فعل الشر ، والأظهر أن كلا الأمرين بعد دخول الجنة وذلك بيان لخلاصهم عن المهالك والمعاطب . [ بم وقوله تعالى : * ( لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) * . * ( وَهُمْ في مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسَهُمْ خَالدُونَ ) * بيان بفوزهم بالمطالب بعد ذلك الخلاص ، والمراد أنهم دائمون في غاية التنعم ، وتقديم الظرف للقصر والاهتمام ورعاية الفواصل . [ بم وقوله تعالى : * ( لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَْكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَاذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) * . * ( لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ ) * بيان لنجاتهم من الإفزاع بالكلية بعد نجاتهم من النار لأنهم إذا لم يحزنهم أكبر الإفزاع لم يحزنهم ما عداه بالضرورة كذا قيل ، وليلاحظ ذلك مع ما جاء في الاخبار أن النار تزفر في الموقف زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا جثا على ركبتيه فإن قلنا : إن ذلك لا ينافي في عدم الحزن فلا إشكال وإذا قلنا : إنه ينافي فهو مشكل إلا أن يقال : إن ذلك لقلة زمانه وسرعة الامن مما يترتب عليه نزل منزلة العدم فتأمل ، والفزع كما قال الراغب انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ويطلق على الذهاب بسرعة لما يهول . واختلف في وقت هذا الفزع فعن الحسن . وابن جبير . وابن جريج أنه حين انصراف أهل النار إلى النار . ونقل عن الحسن أنه فسر الفزع الأكبر بنفس هذا الانصراف فيكون الفزع بمعنى الذهاب المتقدم ، وعن الضحاك أنه حين وقوع طبق جهنم عليها وغلقها على من فيها ، وجاء ذلك في رواية ابن أبي الدنيا عن ابن عباس ، وقيل حين ينادي أهل النار * ( اخسئوا فيها ولا تكلمون ) * ( المؤمنون : 108 ) وقيل حين يذبح الموت بين الجنة والنار ، وقيل يوم تطوى السماء ، وقيل حين النفخة الأخيرة ، وأخرج ذلك ابن جرير . وابن أبي حاتم عن ابن عباس ، والظاهر أن المراد بها النفخة للقيام من القبور لرب العالمين ، وقال في قوله تعالى : * ( وَتَتَلَقَّيهُمُ الْمَلئكَةُ ) * أي تستقبلهم بالرحمة عند قيامهم من قبورهم ، وقيل بالسلام عليهم حينئذ قائلين * ( هَذا يَرْمُكُمُ الَّذي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) * في الدنيا مجيئه وتبشرون بما فيها لكن من المثوبات على الايمان